محمد طاهر الكردي
252
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
يعاودها ما كانت فيه فإذا ظلمة قاتمة ، وإذا رعدة قوية ناهكة ، وإذا غاش يغشاها كأنه النوم ، وإذا هي تسمع الصوت المهيب الرهيب يسأل : ( أين ذهبت به ؟ ) ، فيجيبه صوت مهيب رهيب : ( إلى المغرب ) . ثم ينجلي عنها ما هي فيه فتفيق وكذلك لم تدن السماء من الأرض كما دنت في هذه الليلة . وكذلك لم ير الناس من الأعاجيب كما رأى هؤلاء النساء في هذه الليلة . ولم تكن آمنة على هذا كله تجد ألما قليلا أو كثيرا وإنما كشف عنها كل حجاب ، ورفع عنها كل غشاء ، وخلي بينها وبين عالم من الجمال الذي يرى ومن الجمال الذي لا يسمع لا عهد للناس بمثله . ثم ترى وترى صاحباتها كأن شهابا انبعث منها فملأ الأرض ومن حولها نورا يبهر الأبصار ، ثم ترى فإذا ابنها قد مس الأرض يتقيها بيديه رافعا رأسه إلى السماء ، محدقا ببصره إليها كأنما يلتمس عندها شيئا ثم تسرع صاحباتها إليه ليؤدين له ولها ما تحتاج إليه الأم حين تمنح الحياة ، وما يحتاج إليه الابن حين يستقبل الحياة . فإذا هي لا تحتاج إلى شيء وإذا هو لا يحتاج إلى شيء ، وإذا هن يتناولن أجمل صبي ، وأروع صبي ، وأبرع صبي ، وإذا قلوبهن قد امتلأت بأن الأرض قد استقبلت وليدا لا كالولدان . ثم يشرق الفجر وتبسط الشمس رداءها النقي على بطحاء مكة وما يحيط بها من الجبال ، ويرتفع الضحى ويضطرب الناس في أمورهم وقد قضوا ليلا جاهلا غافلا ، لم يشعروا فيه بشيء ، كأن لم يكن فيه شيء ولو قد كشف عنهم الغطاء ، ولو قد أزيلت عن قلوبهم الحجب لرأوا وسمعوا ولكن اللّه قد جعل لكل شيء قدرا ، فهو يظهر آياته لمن يشاء ، ويخفي آياته على من يشاء . وعبد المطلب جالس في الحجر وحوله أبناؤه وجماعة من قريش ، قد أخذوا فيما كانوا يأخذون فيه من حديث . وهو يسمع إليهم بأذنيه ويعرض عنهم بنفسه ، يفكر في فقيده الذي لا يستطيع أن ينساه وإنه لفي ذلك وإذا البشير يقبل عليه مسرعا ، حتى إذا انتهى إليه حياه وقال : لقد ولد لك غلام ، فهلم فانظر إليه ، فلا يسمع هذه البشرى حتى يحس أن اللّه قد أخلفه من فقيده ورفق به في مصابه ، وادخر له عزاءه عن محنته فيسأل : أهو ابن عبد اللّه ؟ فيجيبه البشير : نعم . فينهض مسرعا وينهض معه بنوه ويمضون لا يلوون على شيء حتى يبلغوا بيت آمنة فإذا دخل الشيخ ورأى الغلام أحس كأن اللّه قد أنزل على قلبه السكينة وجلا عن قلبه الحزن ، ورده إلى غبطة وسرور بعد عهده بهما .